ملا محمد مهدي النراقي
22
جامع السعادات
الحجاب الأقرب ، فقال : هذا أكبر ، فلما ظهر أنه مع عظمته غير خالي عن الهوى في حضيض النقص والانحطاط عن ذروة الكمال ، قال : ( لا أحب الآفلين . إني وجهت وجهي . . . ) ( 26 ) . فسالك هذا الطريق قد يغتر في الوقوف على بعض هذه الحجب ، وربما يغتر بالحجاب الأول ، وأول الحجاب بين الله وبين العبد هو قلبه ، فإنه أيضا أمر رباني ونور من أنوار الله ، تتجلى فيه حقيقة الحق كله ، حتى يتسع لجملة العالم ويحيط به وتتجلى فيه صورة الكل ، وعند ذلك يشرق نوره إشراقا عظيما ، إذ يظهر فيه الوجود كله على ما هو عليه ، وهو في أول الأمر كان محجوبا ، فإذا تجلى نوره وانكشف فيه جماله بعد إشراق نور الله - تعالى - ربما التفت صاحب القلب إلى القلب ، فيرى من جماله الفائق ما يدهشه ، فربما يسبق لسانه في الدهشة ، فيقول : أنا الحق ! فإن لم يتضح له ما وراء ذلك ، اغتر به ووقف عليه وهلك ، وكان قد اغتر بكوكب صغير من أنوار الحضرة الإلهية ، ولم يصل بعد إلى القمر ، فضلا عن الشمس ، فهو مغرور . وهذا محل الالتباس ، إذ المتجلى يلتبس بالمتجلى فيه ، كما يلتبس لون ما يتراءى في المرآة فيظن أنه لون المرآة ، وكما يلتبس ما في الزجاج بالزجاج فيظن أنه لون الزجاج ، كما قيل : رق الزجاج ورقت الخمر فتشابها وتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قد وكأنما قدح ولا خمر وبهذه العين نظر النصارى إلى المسيح ، فرأوا إشراق نور الله قد تلألأ فيه ، فغلطوا فيه ، كمن يرى كوكبا في مرآة أو في ماء ، فيظن أن الكوكب في المرآة أو في الماء ، فيمد اليد إليه ، فهو مغرور . وأنواع الغرور في طريق السلوك إلى الله كثيرة لا تخفى على أرباب البصيرة . ثم أكثر المتلبسين بلباس العارفين - مع كذبهم فيما يدعونه ، ونقصانهم في طريق السلوك ، وجهلهم بحقيقية الأمر ، وعدم قطعهم جل المقامات - يتشبهون بالصادقين من العرفاء في زيهم وهيأتهم وآدابهم ومراسمهم وألفاظهم ، ظانين أنهم بهذا التشبه يصلون إلى مراتبهم ، فهيهات هيهات ! إن الوصول إلى درجة
--> ( 26 ) الأنعام ، الآية : 76 و 79